Home » » أحمد منتصر يكتب : مذكرات ناشر مصري (4)

أحمد منتصر يكتب : مذكرات ناشر مصري (4)

رئيس التحرير : Unknown on السبت، 9 فبراير 2013 | 10:29 ص



شربنا سيجارة حشيش على السلم ودخلنا. وبالتناكة المعهودة لمثقفي القاهرة استقبلنا محمد هاشم مدير دار ميريت ببرود ناظرًا إلى الشنطة التي أحملها والتي عليها اسم دار الشروق. كان خالد كساب يقوم بلف سيجارة بانجو ومقابله أحمد العايدي برفقة فتاة أجنبية جميلة. شعرت بالإحراج وأطرقت إلى الأرض بينما أشعلت سيجارة. كانت ميريت لا توزع إصداراتها. وعلى الكاتب الذي ينشر معها أن يقوم بشراء نسخ من كتابه كي يوزعها بنفسه. والمكتبات التي تريد كتبًا من ميريت ترسل مناديبها إلى مقر الدار للشراء كاش. وهناك شبهات بتلقي هاشم لتمويل ما خاصة أنه صار ينشر مؤخرًا ببلاش وهناك 100 عنوان تحت النشر ومئات العناوين ينشرها كل عام.

كان الهدف من زيارتنا أنا والصديق السابق طارق عميرة مدير دار إنسان إلى ميريت محاولة إقناعهم بإعطائنا كميات من الكتب للتوزيع بالمحافظات. كنا قد أصبنا بخيبة أمل كبرى لأن مبيعات دار اكتب بالمحافظات والتي كانت توزع تحت إشرافنا ليست كبيرة. مثلا مكتبة العز خلف سينما مصر بطنطا كانت تبيع كل شهر بمعدل نسخة من بعض الكتب فقط. وكذلك كان الحال بأغلب المكتبات في المحلة والزقازيق وشبين الكوم والمنصورة. كان السؤال الذي يلح علينا: إذا كانت معدلات البيع بهذا الضعف فمن أين يكسب الكتاب الشباب الذين ينشر كل منهم كتابًا كل عام وبعض كتبهم صدرت منها عدة طبعات؟.

وكان أول كتاب نشرته دار إنسان هو مجموعة (ما بعد حسن العامري) القصصية للقاص الموهوب أسامة أمين ناصف. قمنا بتوزيع الكتاب بالدلتا بسعر ثمانية جنيهات فقط للنسخة الواحدة. ليست لدي معلومات دقيقة عن حجم مبيعات هذا الكتاب في الحقيقة. ولكن الملاحظ أن طارق عميرة أصيب بخيبة أمل كبيرة لدرجة أنه لم ينشر بعده أي كتاب لمدة عشرة أشهر تقريبًا. دفعت لطارق 1500 جنيه كي يصدر لي أول كتبي الورقية بعنوان (ملحد مسلم). ولكنه تأخر للغاية في إصداره حتى كثرت الخلافات بيننا والسب والقذف على الإنترنت. وبعد توقيع عقد الكتاب بثلاث سنوات استطعت أخيرًا الحصول على الفلوس التي دفعتها من شقيق طارق وقمت بإدخالها في فلوس زواجي.

اكتشفت بعد فترة من العمل مع طارق عميرة في دار إنسان أنني متحمل المصائب على الرغم من أني لست مسببها. مثلا تأخر نشر كتاب أسامة أمين ناصف وأخيرًا دخل المطبعة فقام بالاستعجال ودعا أصدقاءه لحفل توقيع ضمن فعاليات الصالون الأدبي الطنطاوي وحضر أحمد خالد توفيق ولكن الكتاب لم يكن قد خرج من المطبعة بعد فحملني طارق مسئولية الموضوع لأني لم أضغط على أسامة لتأخير ميعاد حفل التوقيع!. أيضًا كنت قد أقنعت الكاتب الموهوب مهدي مبارك بالنشر مع دار إنسان وبالفعل حضر إلى طنطا برفقة أبيه رحمه الله ودفع ألف جنيه لطارق. ثم عندما حصلت مشاكل بين طارق ومهدي بسبب مواعيد طارق المضروبة كالعادة حملني طارق المسئولية لأنني من عرفته بمهدي دون أن أوضح لمهدي ظروف دار إنسان!.

كل هذه وغيرها من المواقف جعلتني أتخذ قراري بالانسحاب من دار إنسان. اعترف طارق لي أنه يحس بالرعب لأني مثل شمشون يهدم المعبد على من فيه. قلت له: إنت مدير فاشل. هذا.. في الوقت الذي كتب فيه يحيى هاشم مدير دار اكتب تنويهًا عن أن طارق عميرة لم يعد يعمل معه في التوزيع وحذر يحيى المكتبات من التعامل مع طارق بعد أن كان طارق شماعة يحيى هاشم يقول لكل الكتاب لديه إنه مدير التوزيع ولا يوزع وعندما يوزع لا يحاسب يحيى. كانت المبيعات ضعيفة وفي نفس الوقت مصاريف الاستمرار في السوق كبيرة مثل مرتب مدير التوزيع وعدم إمكانية رفع التكلفة على الكتاب الشباب حيث وقتها كان مبلغ ألف جنيه وألف ونصف كبيرًا جدًا قبل الثورة بالطبع.

بعد ذلك فوجئت بأن المدونة الشهيرة والصديقة السابقة سارة درويش تعلن لي أنها بصف طارق عميرة في الخلاف الدائر بيني وبينه. كنت أحتاجها في عملية تنسيق الكتب حيث لم أكن أجيدها وكانت هي تفهم فيها الكثير. حزنت جدًا ولكني كنت أتفهم موقفها لأن طارق نشر لها مجانا وهذه فرصة كبيرة بالنسبة لها وقد اتهمت سارة طارق بعد ذلك بالنصب عليها لأنه لم يحاسبها على نفاد طبعة كتابها. وبالجملة فإن أوائل الكتب التي أصدرها طارق عميرة عبر دار إنسان كنت سببًا بشكل أو بآخر في صدورها حيث كنت مدير التسويق أي الذي يقنع الكتاب الشباب بالنشر مع دار إنسان. ودخلت دار إنسان فيما بعد في غيبوبة عميقة ولم يعد أحد يسمع بها. حتى عادت مع هوجة النشر الجماعي التي بدأتها وسأتحدث عنها بالتفصيل فيما بعد.

وجدت نفسي مرة أخرى بلا عمل ومفلسًا. كنت في الثالثة والعشرين من عمري ومن الصعب في هذه السن المتأخرة تعلم صنعة أخرى أو العودة للعمل لدى الآخرين بمرتبات ضئيلة. وجدت نفسي أدفع دفعًا لأكون مديرًا لمشروع لم تكن قد اتضحت معالمه بعد. وكنت خائفا للغاية. في البدء أعلنت عن تأسيس دار نشر للشباب اسمها كلمتنا. هذه الدار سوف تنشر مجانا للشباب الموهوب بحيث يقسم الربح العائد من المبيعات الكبيرة لكل تحفة فنية صادرة عن دار كلمتنا بين الناشر والكاتب. وكانت حساباتي كالتالي: أبحث عن ممول للمشروع. وهذا الممول سوف يعطيني راتبًا 500 جنيه مثلا في الشهر. وبالفعل توسط المصمم كريم مجدي لي عند المليونير أشرف وجدي صاحب مكتبة بوكس أند بينز بالمنصورة. فنزلت للقاهرة برفقة وعلى حساب صديقي علي حسام الدين مدير برامج مركز ابن خلدون حاليًا بالقاهرة. قابلنا الدكتور أشرف الذي سمع مني ما أنتوي فعله في دار كلمتنا. وأرشدني إلى شخصية ما في المنصورة لا أتذكر اسمها عندما أخبرته أني بحاجة لعشرين ألف جنيه في العام الواحد لإصدار عشرة كتب مجانا للشباب.

عدنا أنا وصديقي علي حسام من القاهرة بخفي حنين. كانت سفرية فاشلة ولم أجن من السفر للقاء أشرف وجدي أي شيء. أخبرني دكتور أشرف وقتها ونحن نجلس على كافتريا زهرة البستان الشهيرة في وسط البلد. أخبرني بشيء لم أعلم مدى صحته إلا بعد الثورة. قال: أغلب الناشرين اللي بيتقال إنهم نصابين ولا نصابين ولا حاجة. إنما الظروف وحشة أوي. اعتبرت وقتها أن الرجل يدافع عن مليونيرات مثله أو له مصلحة في قول ذلك ولكني كنت مخطئا جدًا جدًا.

بعد ذلك.. أخذت أبحث عن كتاب جيد لكاتب شاب كي أنشره بالمجان بعد أن يأست من إيجاد كتاب ممتاز. كنت قد زهقت من علي حسام حيث إنه لم يعطني أي مال لمشروع دار نشر كلمتنا. وقررت أن أستلف مبلغ نشر أول كتاب من أمي. أعلنت على الفيسبوك أن دار كلمتنا تطلب من الكتاب الشباب إرسال كتبهم المراد نشرها كي ننشرها بالمجان. وصلتني عدة كتب فوجدت أن أفضل ما هو معروض عليّ لنشره رواية سقط سهوًا للكاتب الموهوب إبراهيم المحلاوي. وبالفعل أرسلت إلى المحلاوي أن أول كتاب لدار كلمتنا سوف يكون روايته وسوف ننشره مجانا.

رد عليّ المحلاوي أنه موافق وسعيد ويرحب بذلك فقمت بعمل تنسيق صفحات بدائي لروايته وكلفت المصمم كريم مجدي من المنصورة بعمل الغلاف. وافق المحلاوي على تصحيحي اللغوي وتعديلاتي التحريرية لروايته ووافق على الغلاف. وطلبت منه صورة بطاقته لاستخراج رقم الإيداع ولكنه تأخر كثيرًا في إحضارها. ثم اعتذر لي أنه لا يريد النشر الآن!. حزنت للغاية وطلبت من المحلاوي مبلغ 400 جنيه تكاليف التصحيح اللغوي وتنسيق الصفحات وتصميم الغلاف بأسعار ما قبل الثورة فقابلني في المحلة الكبرى وأعطاني المبلغ.

كنت سعيدًا للغاية بالـ400 جنيه.. كانت هذه أول فلوس أكسبها من مشروعي الخاص في النشر على الرغم من عدم صدور الرواية التي أصدرها بعد ذلك المحلاوي ودفع فلوسًا لنشرها مع دار ليلى!. كنت أتمنى أن تكون أولى إصدارات طنطا بوك هاوس رواية جيدة كرواية سقط سهوًا ولا أعرف حتى الآن لماذا لم ينشرها معي المحلاوي؟ على الرغم من أني قدمت له فرصة عمره وهي النشر المجاني.

المهم أني قررت عمل مكتبة بحيث تدر عليّ دخلا شهريًا من مبيعاتها. في البدء اتفقت مع الصديق محمد عبد الجواد حيث أخبرني أن لديه مخزنا ناحية محطة قطار طنطا يصلح لمشروع المكتبة. كان المخزن مقرفا جدًا وفي حارة ولكنه كان المتاح في ظل إمكاناتي المادية الفقيرة. أعلنا على الفيسبوك أننا سنقوم بافتتاح مكتبة طنطا بوك هاوس أول مكتبة مختصة بالكتب الأدبية في طنطا. كان الاسم أنيقا جدًا وأثار لدى مثقفي طنطا الكثير من التفاؤل. وفي يوم افتتاح المكتبة والذي جلبنا فيه الكاتب أحمد خشبة مؤلف رواية رانمارو الصادرة عن دار نهضة مصر. شعر بعض الحاضرين بالحنق على الرغم من أننا كنا قد دهنا المخزن باللون الأبيض.

قالت لي صديقة عاشت في قطر إن المكتبة مقرفة وإنها لن تمكث بها لحظة. وقال لي الصديق أحمد رسلان: هي دي مكتبة اللي إنت عاملها يا منتصر؟. كنت أظن أن مجرد وجود مكتبة في طنطا سوف يجعل المثقفين والكتاب الشباب ينهالون مجيئا عليها. أليس المهم هو مكان توجد به الكتب في طنطا؟.. ما فهمته فيما بعد أن أغلب الناس تحب المكتبات لأنها أماكن أنيقة ودخولها بالمجان كما توجد فيها بنات ساذجات يمكن التعرف بهن بسهولة هع هع هع. قمنا بعمل الكثير من حفلات التوقيع في هذه المكتبة مثل حفل توقيع رواية إيموز لإسلام مصباح مدير دار عرب بالمنصورة والذي حذفني من الفيسبوك مش عارف ليه!. وتعرفت في هذا المكان الحقير الخالي من مروحة وثلاجة للمشروبات الغازية بالصديق العزيز محمود عبد الرحيم عرفات والذي كان أول من نشرت له في طنطا بوك هاوس للنشر والتوزيع فيما بعد.

وفيما بعد أيضًا.. ونتيجة للانتقادات التي وجهت لمكان المكتبة كنا نقوم بعمل صالون طنطا الليبرالي بكافتريا إستيشن المواجهة لمحطة قطار طنطا. ولم يكن المثقفون يأتون بسبب تكلفة المشاريب بالكافتريا هع هع. يعني مكان مجاني ومقرف مش عاجب ومكان شيك بس بفلوس مش عاجب برضه هع هع. حتى وفقني الله بإقناع والدي بفتح شقة جدتي رحمها الله كمكتبة على سبيل التجربة ولكن فشلت برضه المكتبة فتم بيع الشقة فيما بعد بربع مليون جنيه تقريبًا..
إنشر هذا الخبر :

إرسال تعليق