
التشيع على الطريقة الإيرانية الذى يتخوف منه المصريون ليس له مايبرره،ومبالغ فيه بشكل كبير بعد التقارب المصري الايراني فى الشهور القليلة الماضية،ويضخمه الاعلام بشكل لايصدق وكأن مصر بشعبها بلحمها بعظمها بنيلها بأهراماتها بصحرائها بمزارعها ستصبح غداً على (بدعة التشيع)،ونقول بدعة لأنها بالفعل كذلك فالمذاهب الإسلامية أربعة بمفهوم أهل السنة والجماعة هى:مذهب أبي حنيفة النعمان ومذهب مالك بن أنس ومذهب الشافعى ومذهب أحمد بن حنبل،وهو ما يجب أن نتوقف عنده قليلاً لأن هذا لن يقع بأى حال من الأحوال للمصريين المحبين بفطرتهم لــ آل البيت وهو ما لا يستوعبه الإخوة السلفيون الذين يتوجسون خيفة بتشيع المصريين،طالما سيزورها سنوياً بضعة ملايين من السياح الإيرانيين،ولو تريثنا قليلاً نجد أن مطمع الايرانيين ليس توجهاً شيعياً فى المقام الأول بل هو فى الأساس السعى للتقارب على كافة الصُعد سياسياً واقتصادياً وثقافياً ورياضياً،بهدف كسر شىء من العزلة المفروضة على هذا البلد منذ قيام الثورة الخمينية قبل أكثر من ثلاثين عاماً ومعاداتها لأمريكا وإسرائيل دون وضع هدنة لهذا العداء رغم التشكيك فى هذا.!،فالايرانيون يقصدون بلاداً كثيرة إسلامية على وجه الخصوص ولم نسمع عن أن توجههم السياحى يدعو فى باطنه للتشيع،وإلا كنا رأينا تركيا السنية يتعبد أهلها على بدعة أهل الشيعة،فهى البلد التى يقصدها الايرانيون بكثرة على مدار العام،ولم يسبق أن وقع صداماً بين الشعبين بسبب التشيع أو التسنن على حد سواء،والشعب المصرى تجمعه أوجه شبه كثيرة بالشعب التركى،بفعل عوامل صلة وترابط وأواصر تداخل الشعبين خلالها طوال تاريخ الدولة العثمانية والتى حافظت على مذهب أهل السنة والجماعة بما فيها مصر،ويعلم الإيرانيون قبل غيرهم أن المصريين غير قابلين للتحول رغم إنتشار الطرق الصوفية فى مصر والتى تنظر إليها الدولة الفارسية على أنهم يمثلون شيعة مصر،وهم واهمون بلاشك فالطرق الصوفية لاتسب الصحابة رضوان الله عليهم ولا السيدة عائشة رضى الله عنها،ويؤمنون بولاية أبوبكر وعمر عكس ما يروج له الشيعة تماما بإنكار ولاية أبوبكر وعمر وسب السيدة عائشة،ونستطيع القول أن الصوفية تتقرب دائماً فى كل حفلاتها وعباداتها إلى أهل البيت والصحابة دون تمييز،وإلا ما كان لهم وجود داخل المجتمع المصرى ـ ولو رأى فيهم أنهم يكفرونه للفظهم على الفور ـ فصعب بل من المستحيل أن نجد تجاوباً لأى دعاوى إيرانية للتشيع،فطبيعة المصريين وصفها المؤرخ هيردوت فى كلمات بسيطة عندما قال عنهم بأن لديهم القدرة على تمصير الوافدين إليهم، ولايذيبون فى المجتمعات الأخرى ولايتأثرون بها ويظلون محافظين على هويتهم وخصوصيتهم،وهو ما أثبته التاريخ طوال القرون الماضية،خاصة فى ظل الغزو الفرنسى أو الإنجليزى ورأينا كيف قاوم المصريون الثقافتين الفرنسية والإنجليزية،ورحل الأثنان دون أن يتركا ولو بصمة تدل على وجودهما فى المجتمع المصرى،رغم إنبهار المثقفين المصريين بالثورة الفرنسية..فالتخوف من التقارب المصرى الإيرانى الذى ظل يحلم به الأخير منذ ثلاثة عقود مضت هى عمر حكم مبارك ومن قبله الرئيس الراحل السادت لمدة عامين،ليس له مايبرره،فالايرنيون رغم الخلاف معهم جوهرياً فى فروع الدين،إلا إنهم لايمثلون أى خطورة بحضورهم لمصر بالشكل الذى يصوره البعض ويضخمه رغم حساسية الموقف،بعودة بعد مقاطعة ثلاثة عقود يتوجس الطرفان منها خيفة،فى كيفية المدخل وكيف تكون الإستفادة كل طرف من الآخر،وبنظرة تحليلية بسيطة قد تكون مصر الطرف الأول المستفيد من وراء هذا التقارب،بانتعاشة سياحية وتجارية متوقعة،وأياً كان نظام الحكم القائم لن يتغير موقفه من إيران وبنفس السيناريو الذى تسير فيه طريقه العلاقات المصرية الإيرانية، فإيران بساستها الإسلاميون يعرفون أن النموذج الإيرانى لم ولن يُطبق فى مصر، فالتجربة الإيرانية لم يقيمها الشعب الإيرانى إلا بعد سنوات من حكم الملالى فى طهران،بينما تبدو التجربة المصرية التى لم تمض عليها شهور واضحة أمام الجميع، فالرفض الشعبى للإسلام السياسى واضح لتمسك المصريين بوسطيتهم التى لم يستوعبها الإخوان والسلفيين بعد،فطينة المصريين تختلف كلياً عن طينة شعوب اخرى،ولاغرابة أن تجد بعض النخب السياسية لاتفهم طبيعة الشعب المصرى،وهذه الطامة الكبرى فالتعامل الشعبي يحتاج لفهم صحيح لقواعد وسيكولوجية الشعوب وعن ماهية ماتريده،وللأسف تجد اكاديميين وساسة كباراً وأحزاباً لم تعرف كيف تخاطب العامة للآن،ولم تجد سوى أسباب تافهة لتكون مدخلاً لاختراقها منها التشيع الذى رفع البعض من وتيرة خطورته دون سند أو دليل يثبت حقيقة هذا التخوف وتحول المصريين لبدعة الضلال،فلا إيران ستتحول لأهل السنة ولا المصريون سيتشيعون عاجلاً أم آجلاً.
سمير البحيرى
إرسال تعليق