
ياليتنى قدمت لحياتى..
كلمات سيقولها الإنسان وقت العرض على المحكمة التى لا ظلم فيها ولا جور – أمام المحكمة التى سيكون القاضى فيها هو العدل جل جلاله وعز جاهه وعظم سلطانه أتوقف اليوم مع حضراتكم فى تخيل للموقف والمشهد قبل أن نصير إليه
عن ابن عباس رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله علية وسلم لرجل وهو يعضه (اغتنم خمس قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك ) رواه الحاكم .
الإنسان لن يظل متمتعاً بشبابه إلى أرذل العمر وإنما هو كالنبات( ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً ). والله يبين ذلك فقد قال تعالى
( والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيد كم فيها ويخرجكم إخراجا (لذلك لا بد أن تقف على حقيقة هذه الحياة ولا تغتر بها وتشغلك عن الهدف الأسمى الذي من أجله خلقت ،وهو الرجوع الى الله قبل فوات الأوان.
واحذر أن تعق يومك وتظلم نفسك فأنت أحوج إلى كل لحظة من عمرك ،وكما قيل :
ليس المصاب من فارق الأحباب ******** إن المصاب من فقد الثواب
إننا نمر في هذه الدنيا بمراحل كثيرة ومتنوعة ،والإنسان كالوردة لا بد أن يذبل .. وكل يوم هو في حال ، فمن صحة وعافية إلى سقم ..ومن فرح إلى حزن ..ومن اجتماع إلى فرقة تلك هي سنة الله في خلقه .
ما أحوجنا إلى كل اللحظات في حياتنا الأولى لنجمع زاد اً كثيراً،قبل أن يأتي ( يوم لا ينفع مال و لا بنون)
وقبل أن تتحسر وتقول ( يا ليتني قدمت لحياتي ) هلم بنا نقدم من الصالحات وفعل الطاعات والعبادات ونتسابق في فضائل الأعمال منتفعين بقول الله سبحانه وتعالى ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)
أعلم أن الأيام ستنقضي لكي يجد المرء نفسه أمام الله في موقف خطير سيسأل فيه عن كل شيء فعله في هذه الحياة ، وعن كل لحظة قضاها .
تأمل قول القائل :
دقات قلب المرء قائلة له *** إن الحياة دقائق وثوانِ
فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها *** فالذكر للإنسان عمر ثانِ
تذكر الحساب ودقته ...والموت وسكرته ...والقبر وضمته ...
فلا تقنط من رحمة الله وأكثر من الاستغفار وهو طلب المغفرة منه سبحانه وتعالى ثم التوبة إليه ( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه )
قدموا لحياتكم شيئاً وقت الحساب لتعيشوا حياة هادئة مطمئنة وتنعموا باستقرار وأمن وأمان واسمحوا لى أستعرض اليوم أربع خطوات نستطيع من خلالها ان نقدم لحياتنا : أولاً التخطيط
التخطيط هو : عملية تجميع المعلومات ، وافتراض توقعات في المستقبل من أجل صياغة النشاطات اللازمة لتحقيق الهدف .
ويمكن أن نقول أن التخطيط هو نوع من " ارتكاب الخطأ على الورق " أي قبل الشروع في التنفيذ ، وحين نفشل في التخطيط فإننا خططنا للفشل !!!
إن الله تعالى خلق الخلق لغاية عظيمة ، الآ وهي غاية العبادة لله تعالى ، قال الله تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) وهذه الغاية العظيمة ( العبودية ) أمرنا الله تعالى بتحقيقها في جانبين :
الجانب الأول : في الذات . كما دلّت عليه الآية السابقة ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (
والنفس أولى المخلوقات بالبذل في سبيل تحقيق العبودية فيها .
الجانب الثاني : في الآخرين ، وهو من مقاصد عمارة الأرض في قوله : ( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ 61 ) سورة هود
وعلى هذا الوجه أمرنا أن نعمر الأرض ( إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ) !
وهاهنا يجب أن أضرب مثلاً واقعياً حدث بالفعل أمر الله تعالى فيه أحد عباده بل وأنبياءه وهو نبى الله نوح عليه السلام أن يُخطط واستجاب ففعل وصنع سفينة نوح عليه السلام فى بلدة ليس بها بحر !!!
س1/ ما هدف التخطيط في هذه الحالة ؟ الهدف : نقل مجموعة من الكائنات الحيّة إلى مكان آخر
س2 / لماذا كان هذا الهدف ذا قيمة ؟ لأنه يحافظ عل ى استمرار الحياة والعبادة على الأرض
س3 / من القائم على التخطيط ومن المستفيد منه ؟ النبي نوح عليه السلام ومن آمن معه ، ومجموعة أزواج من المخلوقات .
س4 / كيف سيتم تحقيق هذا الهدف ؟ باستخدام وسيلة نقل بحرية .
س5 / متى سيكون العمل أو الحدث أكثر فاعلية ؟ عند بداية الفيضان مباشرة .
س6 / أين سيكون النشاط أكثر فاعلية ؟ في ضاحية شرقي المدينة .
س7 / ما تكاليف العمل من موارد بشرية ومالية وزمنية ؟ أن يتفرغ نوح عليه السلام وعدد من المؤمنين للعمل التطوعي لفترة أسابيع عدّة وبذلك لن تزيد النفقات عن ثمن المواد المطلوبة لبناء السفينة .
س8 / ما المنفعة التي ستتحقق من هذا العمل ؟ عمارة الأرض بالحياة البشرية والحيوانية الخاضعة لله سبحانه وتعالى
ثانياً: التضحية وهى كلمة رائعة وجميله تحمل في طياتها الكثير من الحب والكثير من الصدق والشي الكثير من المشاعر النبيلة تجاه من أحببنا ...لكي نعيش لابد أن نرى علامات الفرح والسرور والرضا في عيون من نعرف ومن لا نعرف لذا لابد من تقديم جزء ولو يسير من التضحية ...فمتى ما وجدنا من يشاركنا أفراحنا وأحزاننا ومن يضحي من اجلنا نشعر بالكثير من الفرح والكثير من السعادة والتضحية للآخرين معنى كبير قال عنه القرآن [ ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة ] وأعظم التضحيات من وجهة نظرى هى التضحية من أجل بناء الوطن وهذا ماتحتاج إليه مصر فى المرحلة الراهنة
وأختتم بالحديث عن العطاء وهو من التضحية والإيثار وكتفى فيه بذكر قصة قصيرة حتى لا أطيل يحكى ان كان هناك اخوين يعيشان في مزرعة وكان أحدهما متزوجاً ولديه عائلة كبيرة أما الثانى فكان أعزباً وكانا يتقاسمان الإنتاج والربح بالتساوي. وفى يوم من الأيام قال الأخ الأعزب لنفسه إن تقاسمنا أنا وأخي الإنتاج والأرباح ليس عدلاً فأنا بمفردي واحتياجاتى بسيطة فـكان يأخذ كل ليلة من مخزنه كيساً من الحبوب ويزحف به عبر الحقل من بين منازلهم و يفرغ الكيس في مخزن أخيه. وفي نفس الوقت قال الأخ المتزوج لنفسه أنه ليس عدلاً أن نتقاسم
الإنتاج والأرباح سوياً أنا متزوج ولي زوجة وأطفال يرعوننى في المستقبل وأخي وحيد لا أحد يهتم بمستقبله .
وعلى هذا اتخذ قراراً بأن يأخذ كيساً من الحبوب كل ليلة ويفرغه في مخزن أخيه. و ظل الأخوان على هذه الحال
لسنين طويلة لأن ما عندهم من حبوب لم يكن ينفذ أو يتناقص أبداً. و في ليلة مظلمة قام كل منهما بـتفقد مخزنه وفجأة ظهر لهما ما كان يحدث فأسقطا أكياسهما وعانق كل منهما الآخر.
العــــطــــاء : هو أن تكون في الحياة كزجاجة العطر تقدم للآخرين كل ما بداخلك وإن فرغت تبقى رائحتك طيبة
يحتاج المسلمون فى هذه المرحلة لا سيما ونحن بصدد استقبال أيام مباركة تبدأ بشهر رجب ووسط الآلام تكون الآمال فهلموا إلى التخطيط والتضحية والعطاء وقدموا لحياتكم
والله من وراء قصد وهو الهادى إلى سواء السبيل
محمود محمد الأبيدى
إمام وخطيب مسجد الجمال بالمنصورة
إرسال تعليق