Home » » إبراهيم غانم ثقافة العمل في المدرسة 3

إبراهيم غانم ثقافة العمل في المدرسة 3

رئيس التحرير : حماده عوضين on الخميس، 26 يونيو 2014 | 6:22 م


كل سنة و أنتم طيبون رمضان ع الأبواب، دلفت لمهجة فؤادي (البلكونة) قبل دخول الشهر الكريم لأنه سيتبدل معه مواعيد الجلوس بملهمتي (البلكونة). أستكمل ذكرياتي مع سنوات الزمن الجميل التي ولت فراراً من بين أيدينا و التي تزيد عن العقود الأربعة المليئة بزخم الأحداث خاصة سنوات الدراسة الابتدائية بمدرسة شبرا الابتدائية القديمة بنين.

كانت ثقافة العمل لدى معلمينا آنذاك هي العمل وفق معايير و ضوابط صارمة. رشفت القهوة و لست أدري إن كان البن طعمه قد تغير مع تغير سلوكيات البشر بالاتجاه السلبي أم هذه مرارة الحسرة بفمي على كل شيء جميل أجهزت عليه سنوات الفساد الممنهج فبات معها الخلق الرفيع و الذمة و الضمير في عداد الأموات. أخذت نفساً عميقاً من سيجارتي و دارت معه ذكرياتي مع الأستاذ أحمد و الأستاذ سيد مدرسي التربية الموسيقية.

كانت حصص التربية الموسيقية لا تقل أهمية هي الأخرى عن المواد التعليمية فكانت حصتين في كل أسبوع، يأتي لنا الأستاذ أحمد أو الأستاذ سيد إلى الفصل و نصطف و نسير معه طابوراً إلى حجرة التربية الموسيقية. الحجرة واسعة و حيث أننا صغاراً لا نستطيع تحديد مساحتها، لكن يكفي أن أقول لكم المساحة كبيرة جداً و لكم تصور المساحة، بها مسرح متكامل من كواليس و كالوش و ستارة و إضاءة و ديكورات، (مسرح مثله مثل المسارح الكبرى).

على جانب منها باب آخر لو دلفت إلى ما ورائه لوجدت حجرة أخرى مساحتها لا تقل مساحة عن ملعب كرة قدم و لن أكون مبالغاً في هذا. الحجرة الأخيرة هي مخزن الآلات الموسيقية و كل ما تشتهيه الأنفس من آلات موسيقية كأنها مخزن دار الأوبرا ذاتها. كل شيء موجود تقريباً و يعمل، مسكن على أرفف بنظام دقيق وفق النظم التخزينية الآلات الموسيقية.حجرة الموسيقى بها بيانو ماركة عالمية، بها مقاعد نجلس عليها و مكتب يجلس عليه مدرس التربية الموسيقية، السبورة لونها أخضر مقسمة بسطور النوتة الموسيقية. التربية الموسيقية لها منهج دراسي و منهج للنشاط السنوي، كنا نتعلم كل شيء، هناك خطة لتحفيظ الأناشيد كروتين العمل.

كان يكتبان كلمات أناشيد للمناسبات الوطنية و غيرها و يقومون بوضع ألحانها و كانت جميلة تطرب لها المسامع، و يقومون بتحفيظها لنا و نؤديها بكل دقة دون نشاز أو خطأ يذكر رغم صغر أعمارنا. كان خلال الحصص ينتقي من بيننا من يرى فيهم الأذن الموسيقية و الصوت المقبول ليضمهم إلى فريق الكورال. كانت لهم نظرة ثاقبة فيمن تتوافر لديهم الموهبة الفنية و يوظف الإمكانيات المتاحة للتلميذ سواء الذهنية و الاستيعابية و الهيئة العامة متمثلة في القامة و أصابع يده و غيرها ليكون هذا عازف كمان أو ذاك عازف مندولين أو ضابط إيقاع.

كان يعلمهم فرادى و يصبر و يثابر بدأب و كد ليكون التلميذ بعد فترة وجيزة من المهارة التي تمكنه من العزف ببراعة على الآلة التي تعلمها. كان لدينا آلات (الكمان ـ المندولين ـ الأكسليفون ـ الناي ـ الأكورديون ـ آلات نحاسية ـ الجيتار الأسباني). آلات الإيقاع بكافة أشكالها سواء المعدنية أو غيرها: (الطبلة ـ الدهولة ـ الرق ـ الدف ـ الدرامز، كانوا يطلقون عليه آنذاك الجاز ـ البونجز ـ المثلث المعدني ..... و أشياء أخرى لا أعرف مسمايتها). آلات تستطيع معها تكوين اوركسترا سيمفوني متكامل. كلها مستخدمة و في مكانها الصحيح.

كانوا يدفعون بفريق الموسيقى المكون للمدرسة في المسابقات التي تنظم على مستوى المنطقة التعليمية و على مستوى المدارس و على مستوى الجمهورية. كانوا يعدون جيداً لذلك بالتدريب و البروفات و الأعمال المشاركة و على الفريق أن يتسابق و نصب عينيه المركز الأول في أي مسابقة و على أي مستوى و تكون عقيدته ألا يقبل أقل من الفوز بالمركز الأول.

كنا نحقق المركز الأول على مستوى منطقة شمال القاهرة التعليمية و المراكز الأولى و المتقدمة على مستوى محافظة القاهرة و الجمهورية.

إذا خسرنا يتم اللوم بغية عدم تكرار ذلك ثانية و الوقوف على أوجه القصور حتى نجتاز الأزمة و يكون في المرة القادمة تصحيح للمسار و الفوز بالمركز المتقدم.

حجرة ناظر المدرسة الأستاذ محمد حجازي بها أرفف كثيرة مليئة بالدروع و الكؤوس التي حصلنا عليها من مسابقات رياضية و فنية و علمية و غيرها للمدرسة. كانت هذه الأرفف دواليب شرف تكون أكليلاً على رأس كل تلميذ ينتمي إلى هذه المؤسسة التعليمية العريقة سواء كان مشاركاً في فرق أنشطتها أو غير مشارك. الكل يشعر بالفخر و الحماسة و الزهو و التباهي كونه فائزاً أو منتمياً لهذه المدرسة.

مدرستنا هذه شبرا الابتدائية القديمة بنين مدرسة حكومية مصروفات الدراسة بها سنوياً سبعة وعشرون قرشاً و نصف القرش صاغ. ليست خمسة آلاف في السنة كمدارس اللغات و الفارق كبير مقارنة بما سردت خلال المقالين السابقين و هذا المقال.

المقارنة في صالح شبرا الابتدائية القديمة بنين بجدارة، اكتساح تكون المقارنة معه غير عادلة على الإطلاق.

هكذا كنا و الآن!

نهاية المشهد تغيرت هي الأخرى مثل بداية المقال و تغير طعم البن في فمي. أفقت من السباحة في وادي الذكريات على عقارب الساعة تشير للثامنة و الربع صباحاً و لم تأتيني رفيقة العمر كالعادة لأنها اليوم في زيارة للحاجة الكبيرة والدتها لتجهز لها احتياجات الشهر الكريم و بالتالي تأخرت في الذهاب لعملي.

برضه مفيدة يا أخي، ما هو القط يحب خناقه. (مياووووو ـ هوو هو)، يا مامي!!

في البلكونة

إبراهيم غانم
إنشر هذا الخبر :

إرسال تعليق