سعيد السني
ماذا ينتظر الجيش كي يتحرك لـ«تحرير» مصر من «الاحتلال الإخواني»؟.. نعم هو «الاحتلال» لاريب ولا شك، بل أن كل جهود الحكم الإخواني، رئيسًا وحكومةً وحزبًا وجماعةً، مماثلة تمامًا للأجندة الأمريكية التي قام بتنفيذها بول بريمر، الحاكم الأمريكي الذى تولى إدارة شئون العراق عقب احتلالها أمريكيًا عام 2003، بزعم تحريرها من الاستبداد، ونشر الحرية والديمقراطية، وما إلى ذلك من شعارات مضللة.
إذ تمكن بريمر، عبر العديد من الأوامر والقرارات، من حل الجيش وتفكيك الأجهزة الأمنية والهيئات القضائية، وإعادة صياغتها من جديد، محوًا للعراق الدولة والحضارة والتاريخ، من معادلة الصراع العربي- الإسرائيلي، وكل المعادلات الإقليمية والدولية الأخرى، وخلال السنوات العشر منذ إحتلال العراق وحتى الآن، قُتل مئات الآلاف من العراقيين من مختلف الأعمار، وتشرد الملايين غيرهم، وربما كان الذين يموتون يوميًا محترقين بنيران الفتن المذهبية والطائفية، هم أكثر من قتلى الحرب نفسها.
أعود للسؤال بشكل أكثر تحديدًا: ماذا ينتظر الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، كي تتحرك القوات قيادته لإنقاذ البلاد من المصير العراقي الدامي والمؤلم؟.
إن قراءة البيانات المنسوبة إلى ما يطلق عليه «مصادر عسكرية»، والتي تتسرب إلى الصحف، وكذا التمعن في تصريحات السيسي نفسه والفريق صدقي صبحي رئيس أركان الجيش، كلها يُفهم منها أن الجيش سيتدخل للحسم في الحالات الآتية:
1 - أن يطلب الشعب من الجيش حمايته، أو أن يتعرض للعدوان من ميليشيات مسلحة أو ما شابه، أو أن يقع احتراب أو اقتتال أهلي.
2- أن يتعرض الأمن القومي المصري للخطر.
3- أن تتعرض الدولة للانهيار.
هذه النقاط الثلاث التي يضعها الجيش محددات وشروطًا للتدخل من جانبه، تكاد تكون متوفرة الآن إلا قليلًا، والإنتظار أكثر من ذلك ربما يؤدى إلى عواقب وخيمة.. تفصيلاً.
وبالنسبة للبندين الثاني والثالث، فإنه يجرى يوميًا التشهير بـ«الجيش» و«جهاز المخابرات العامة»، وهما أهم دروع الوطن لحماية الأمن القومي المصري، والتفاصيل معروفة.. وليس آخرها تسريب تقرير مسيء للجيش، أعدته لجنة تقصى الحقائق «الإخوانية»، إلى صحيفة «الجارديان» البريطانية، وبغض النظر عن أن «الجارديان» تفتقد المصداقية في بعض ما تنشره، ربما لخدمة أغراض تخصها أو تخص من ورائها، على غرار ما دخلت به على خط ثورة يناير 2011، ونشرها آنذاك تقريرًا عن ثروة مبارك زاعمه أنها تتراوح بين «30 – 70» مليار دولار، وهو رقم فلكى بالتأكيد، ويفتقد المنطق ويجنح إلى الخيال، بالفرق الكبير بين الحدين الأدنى «30 مليار» والأقصى «70» مليارًا، وبـ«الدولار»، وهو ما أجج نيران الثورة المشتعلة ضد مبارك.
على أنه لا يستبعد أن تكون اللجنة ذاتها تشكلت لغرض صناعة التقرير المسيء لصالح «الجارديان»، بما يعنى أن الهدف هو أصلًا النيل من «سمعة» الجيش المصري دوليًا، كجيش معروف أنه منضبط ولدية عقيدة ودستور قيمي وأخلاقي ومعايير قانونية دولية.
ونحن نعلم أن جماعة «الإخوان المسلمين» مشغولة برضاء الغرب أكثر من المصريين، وآيات ذلك كثيرة ليس هنا مجالها، ويكفي منها بيان عصام الحداد مسؤول العلاقات الخارجية في الرئاسة، والمكتوب باللغة الإنجليزية وجرى نشره في الصحف الأمريكية، وأساء إلى الإخوة الأقباط بشان «فتنة الخصوص» وأحداث الكاتدرائية، ومع أنهم ضحايا فقد حمَّلهم المسؤولية عن الفتنة والأحداث، من دون حتى إنتظار لنتائج التحقيقات.
ولسنا بحاجة للتذكير بقتل جنودنا في «رفح» قبيل الإفطار مباشرة في رمضان، ولا الملابس وشارات الرتب العسكرية، والأسلحة المضادة للدبابات والصواريخ التي تضبط بشكل متكرر، بما يقطع بأننا أمام مؤامرة كبرى لإسقاط الجيش وزرع الفتنة فيه، بل وتدميره إن أمكن.
وكل هذا وأقل منه كثيرًا هو مما يهدد الأمن القومي بلا شك، فهل يظل «السيسي» مترددًا كثيرًا حتى ينهار الجيش، وتكون أجندة «بريمر» الأمريكي قد تحققت في مصر على يد الإخوان؟!. وهل سيتبقى من مصر شيء لو إنهار الجيش، أو نجحت المؤامرة عليه، أو حتى المخابرات؟. وإذا لا قدر الله حدث ذلك، فهل يجوز أصلًا الحديث عن الأمن القومي المصري؟!.
ثم ألا يكفى تبرع الإخوان بـ«حلايب وشلاتين» إلى السودان، ومحاولة توطين الغزاويين في «سيناء» لصالح إسرائيل، على سند أن «حماس» الإخوانية هم من الأهل والعشيرة، أو ترك «سيناء» مرتعًا للإرهابيين، بما يهدد بتوريط مصر في حرب مع إسرائيل من دون مبرر؟!. وهل الأمن القومي غير مهدد بعد كل الأحاديث العلنية والرسمية عن بيع أو تأجير «قناة السويس» إلى قطر أو غيرها، تحت دعاوى التنمية، ناهيك عن الصكوك؟!.
بالتأكيد فإن هذا كله، أو بعضه، يضرب الأمن القومي المصري في مقتل، وينبئ بإنهيار الدولة، فهل تنتظر يا سيادة الفريق السيسي حتى ينهار كل شيء؟.. وهل علومك العسكرية تفيد بأنه سيتبقى دولة أو جيش أو قدرة على مواجهة المخاطر لو نجحت المؤامرة؟!. الإجابة بالنفي تأكيدًا.
يبقى البند رقم «1»، الذي أشرنا إليه قبل قليل، مبررًا لتدخل الجيش وإنقاذ البلاد، واقع الحال يقول إن الشعب يستغيث يوميًا بالجيش للتدخل وإنقاذه من الإخوان، والتوكيلات التي حررها مئات الآلاف من الأفراد هي تعبير صادق عن هذه الرغبة الشعبية، كما أن حماقات «الجماعة الإخوانية» في سعيها لضرب القضاء، وتعديها عليه بدعاوى زائفة، والحشد والدخول في مواجهات وعنف من آن لآخر مع الثوار وأبناء الشعب الرافض لـ«الأخونة»، على غرار ما حدث يوم الجمعة «19 إبريل»، ومن قبل في «جمعة كشف الحساب» الشهيرة، وبعدها موقعتي «الاتحادية» و«المقطم»، وما يترافق مع ذلك كله من إصابة المئات وقتل وخطف وتعذيب للنشطاء بيد المنتمين إلى الجماعة، بخلاف أحداث «الكاتدرائية» وما سبقها من فتن طائفية تطل برأسها بشكل متكرر، وكل هذه الوقائع تبدو فيها الشرطة طرفًا منسحبًا أو مساندًا للإخوان.
هنا يقفز السؤال: أليس هذا هو بعينه مشروع متكامل للحرب الأهلية، يوجب علي الجيش سرعة الحسم والتدخل لحماية البلاد وأمنها القومي، وشعبها الذى يعلق على جيشه آمالاً كبار؟.
سيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي.. أخشى أن يتأخر بكم الوقت، أو تقع المؤسسة العسكرية في خطأ الحسابات، وتذهب مصر على يد «الاحتلال الإخواني» إلى «العرقنة»، أو المصير الذي رسمه بول بريمر للعراق، ساعتها لن يرحمكم التاريخ.
إرسال تعليق