Home » » إبراهيم غانم يكتب : في البلكونة (ثقافة العمل)

إبراهيم غانم يكتب : في البلكونة (ثقافة العمل)

رئيس التحرير : Unknown on الجمعة، 4 أكتوبر 2013 | 8:34 م


أحب الشرفة (البلكونة) منذ نعومة أظفاري. أصبحت عادة قد تكون سيئة أو تكون محمودة، لكنها أصبحت إعتياد. جلست بالشرفة في الصباح الباكر، أشعلت سيجارتي، أحتسي قهوتي، الجو سكون إلا من عصافير تغدوا خماصاً، قطط تتشاجر في الأسفل، أخرى تحاول إصطياد يمامة لكن محاولتها فشلت و ربنا ستر. اجتررت ذكريات طفولتي المشردة حينما كنت أتسلق سور شرفة منزلنا بحي شبرا مصر في الصباح الباكر أيضاً، لكن الإختلاف أن أسفل بالشارع لا توجد قطط في تلك الساعة لأن عم صابر (كناس البلدية) يسيطر على الموقف.

عم صابر هذا الرجل الذي لا يتوارى من وظيفته لقاء بعض النقود التي بالكاد تكفي قوت يومه، بزيه المعهود (البذلة الصفراء)، بيده المكنسة ذات اليد الخشبية الطويلة، طرفها الأخر مكون من مخلفات النخيل. يقسم الشارع بأسلوب الميزان الأرتوازي و شبكة الكونتور التي يستخدمها المشتغلون بالمساحة.

 يلملم الورقات و النفايات الملقاه بالشارع، يقسمها إلى أكوام في نقاط محددة بعينها لا يخطأها أبداً. يقوم بهذا العمل في صمت و حب و فخر. يشعرك كأنه أهم واحد في العالم. لو غاب عم صابر يوماً ستقف الدنيا، الشمس لن تطلع في هذا اليوم، الحياة ستصاب بالشلل التام. هذا في عقيدة العمل الراسخة في ذهن عم صابر.

عم صابر فخور بذاته و عمله، يعمل بثقافة: "أحسن الشوغلانة تخسر أو الناس تعيب علينا". يتبعه زميل أخر يجر عربة ذات عجلات ثلاث لونها أخضر يعلوها صندوق من الصاج المقوى لها فتحة جانبية و علوية. هذا الرجل يأتي معه مقطف و يد حديدية تساعده في نقل الأكوام التي جمعها عم صابر، يلقي بها في العربة و يمضي لحال سبيله وفق خط سير معتمد لا يحيد عنه أبداً. المسافة الزمنية بينهم فيها تناغم دقيق يمكن ضبط الوقت عليهم. بعد فترة زمنية ليست بالبعيدة يأتي ثالث ببذلته الصفراء أيضاً لكن يختلف عن عم صابر و زميله فهو ينتعل حذاءً ماركة (باتا)، عم صابر و زميله ينتعلان صندلاً بلاستيكياً ماركة (باتا) أيضاً.

هم يأتون مترجلين و هو يأتي بدراجة ماركة (النصر) طراز رقم: (28) ينزل من فوق عجلته و يصرخ في وجههما، يوبخهما، ينظرون أليه في هدوء تام، لا يبديان أي إعتراض أو امتعاض، هذا عمله. هو الريس، عمله المتابعة و التوجيه على طريقته (يزعق لهم). برضه بثقافة أحسن الشوغلانة تخسر. يتكرر نفس المشهد عصر اليوم، نفس السيناريو و الحوار. مصر كانت جميلة و حلوة و نظيفة. بعم صابر و زملائه المنتشرين في كل ربوع مصر. الناس وقتها كانت لديهم ثقافة للعمل و توزيع الأدوار بمنتهى الدقة مهما كانت طبيعة أو نوع العمل، مدير أو خفير، و بغض النظر عن الأجر الذي يتقاضاه لقاء عمله، المهم العمل و العقيدة الراسخة لثقافة هذا العمل (أحسن الشوغلانة تخسر).

كان ذلك سبب أساسي لنجاحنا. كان هناك هدف و أمل و لدينا حلم واجب تحقيقه. في نهاية كل مشهد كانت تأتي والدتي رحمها الله و تقول: "إنزل يا أبن التيييييت" أحسن تتشقلب و تقع م البلكونة. الظاهر إن ذكرياتي باتت معي إلى الآن حتى في نهاية المشهد بأن أتت زوجتي و قالت بحدة: "إنت لسة قاعد... قوم إتنيل و روح الشغل يا منيل، ح تتأخر". أفقت على طابور الصباح بالمدرسة المجاورة لنا و الأطفال يصدرون صوتاً: "عوا... عوا... عوا... عوا....) و الترجمة: (تحيا جمهورية مصر العربية)... فقلت محدثاً نفسي: "يا نهار أزرق!!!!! أنا فعلاً إتأخرت و ريسي في الشغل ح يسود عيشتي".... يا ترى ح أروح ألاقيه جاي على العجلة زي ريس عم صابر و يزعق شوية؟! تعالوا نشوف الصندل البلاستيك بتاعه.....

إبراهيم غانم

إنشر هذا الخبر :

إرسال تعليق